محمد جواد مغنية
122
التفسير الكاشف
لا قياس على اليهود : من يدقق النظر في آي الذكر الحكيم التي نزلت في الإسرائيليين خاصة ، وفي الذين كانوا منهم على عهد موسى الكليم ( ع ) بوجه أخص ، ان من يستقرئ هذه الآيات يخرج بنتيجة واضحة كالشمس ، وهي انه سبحانه قد عاملهم معاملة لا تشبه شيئا ، ولا يشبهها شيء مما هو معروف ومألوف . . وغير بعيد أن يكون قوله تعالى : « وأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعالَمِينَ » إشارة إلى هذه المعاملة الخاصة . فلقد حررهم اللَّه من نير فرعون وطغيانه بانفلاق البحر ، لا بالجهاد والتضحية ، وأطعمهم المنّ والسلوى ، وسقاهم الماء بمعجزة ، لا بالكد والعمل ، ورفع فوقهم الجبل ليطيعوا ، ويسمعوا ، وأحيا قتيلهم ، ليبين لهم ما خفي من أمر القاتل . . كل ذلك ، وما إليه يدل دلالة صريحة واضحة على أن مشاكل اليهود في ذلك العصر لم تحل بطريقة طبيعية مألوفة ، بل لم يفكروا هم أنفسهم في العمل من أجل حلها . . فكلما اصطدموا بمشكلة قالوا : يا موسى ادع لنا ربك يفعل ويترك . . وكان موسى يدعو ، واللَّه يستجيب . وبهذا يتبين معنا ان قياس سائر الأجيال على الجيل الإسرائيلي آنذاك في غير محله ، وان قول الشيخ محمد عبده : « ان اللَّه يعامل القرون الحاضرة بمثل القرون الخالية » يصح في جميع الناس الا في أولئك الناس ( 1 ) . وأيضا يتبين ان اللَّه قد أراد برفع الجبل أن يكرههم ويلجئهم إلى الأخذ بما في التوراة ، وان قول السيد الطباطبائي في كتاب الميزان : « ان رفع الجبل لا يدل على الإلجاء والإكراه ، لأنه لا إكراه في الدين » ان هذا القول بعيد عن الواقع بالنسبة إلى قوم موسى الذين عاملهم اللَّه معاملة أبعد ما تكون عن الضوابط والقواعد . أما الحكمة الإلهية لذلك فلا مصدر لديّ أعتمده لمعرفتها . وقد يكمن السر
--> ( 1 ) لقد وصم القرآن والإنجيل اليهود بأنهم أعداء الإنسانية ، وتاريخهم يشهد بهذه الحقيقة ، ومن أجل هذا يحرصون كل الحرص على التأكيد بأنه لا فرق بين القوميات ، ولا بين الأديان ، وألفوا لهذه الغاية الكتب ، وأسسوا المعاهد ، وبثوا الدعايات ، وأنشأوا الجمعيات ، ومنها الجمعية الماسونية العالمية التي أضفوا عليها ثوب الانسانية .